مجموعة مؤلفين
322
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
على ظهره ، وفيه الصرر من الدنانير والدراهم ، وربما حمل على ظهره الطعام أو الحطب ، حتى يأتي بابا فيقرعه ، ثم يناول من يخرج اليه . وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيرا لئلا يعرفه . فلما توفي ( ع ) فقدوا ذلك ، فعلموا أنه كان الإمام علي بن الحسين ( ع ) . ولما وضع على المغتسل نظروا إلى ظهره وعليه مثل ركب الإبل ، مما كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين ( 1 ) ولما ازدهرت الحياة الاجتماعية في عهد عمر بن عبد العزيز ، انعدم وجود الفقراء والمساكين ، وضاق بيت المال بما يحويه ، حتى أصبحت الزكاة تلقى على الطرقات ولا يوجد من يأخذها . في هذا المجتمع الاسلامي الرأفة ، كان يرى الخليفة عمر بن عبد العزيز قابعا لمفرده في كنف الليل في احدى زوايا الطريق . فسئل مرة عن سبب ذلك فقال : اني أرابط هنا متحريا عن الذين يكتنفهم الجوع في الليل ، ولو كنت أعلم أين مكانهم لذبحت لهم ناقتي وحملتها إليهم إربا إربا حتى منازلهم . أجاركم اللّه هل بينكم من يدلني على هؤلاء المرهقين . فالخليفة العادل كان يبحث ليس عن المحتاجين والمساكين الذين نراهم عادة على أرصفة الطريق ، وانما كان يبحث عن الفقراء المتعففين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، ليوصل إليهم أمانة اللّه في عنقه ، من حقهم في بيت المال . فكان لا يجد منهم أحدا ، فيستحلف الناس أن يدلوه على مكانهم . والحاجة المقصودة في الأحاديث السابقة هي الحاجة الشديدة وتتضمن الحاجات الحياتية الملحة كالطّعام والكساء ، وهي المفروضة في مبدأ التكافل العام . ويأمل النظام الاسلامي أن يصل المؤمن إلى درجة من الايثار ، لا يعود يرى أن ما يملكه هو لنفسه خاصة ، وانما هو مبذول لكل محتاج من إخوانه ، فيسمح لاخوته في الايمان أن يأخذوا ما يشاءون من صندوق ماله بدون اذنه وعلمه . يقول الإمام الباقر ( ع ) : « أيجيء أحدكم إلى أخيه ، فيدخل يده في كيسه ، فيأخذ حاجته فلا يدفعه » فقلت : ما أعرف ذلك فينا . فقال أبو جعفر ( ع ) : « فلا شيء إذا » . قلت : فالهلاك فقال ( ع ) : « إن القوم لم يعطوا أحلامهم بعد » .
--> ( 1 ) - الخصال 2 - 100